السيد الطباطبائي

76

تفسير الميزان

فهذه مواعد أربع بتخصيص نوع الانسان بنعمة النبوة وموهبة السعادة ، وقد أشير إليها في الآية المبحوث عنها بقوله : " من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل ، وقد ذكر في القصص السابقة من كل من الذراري الأربع كإدريس من ذرية آدم ، وإبراهيم من ذرية من حمل مع نوح ، وإسحاق ويعقوب من ذرية إبراهيم ، وزكريا ويحيى وعيسى وموسى وهارون وإسماعيل - على ما استظهرنا - من ذرية إسرائيل . وقوله : " وممن هدينا واجتبينا " معطوف على قوله : " من النبيين " وهؤلاء غير النبيين من الذين أنعم الله عليهم فإن هذه النعمة غير خاصة بالنبيين ولا منحصرة فيهم بدليل قوله تعالى : " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا " النساء : 69 وقد ذكر الله سبحانه بين من قص قصته مريم عليها السلام معتنيا بها إذ قال : " واذكر في الكتاب مريم " وليست من النبيين فالمراد بقوله : " وممن هدينا واجتبينا " غير النبيين من الصديقين والشهداء والصالحين لا محالة ، وكانت مريم من الصديقين لقوله تعالى : " ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة " المائدة : 75 . ومما تقدم من مقتضى السياق يظهر فساد قول من جعل " وممن هدينا واجتبينا معطوفا على قوله : " من النبيين " مع أخذ من للبيان ، وأورد عليه بعضهم أيضا بأن ظاهر العطف المغايرة فيحتاج إلى أن يقال : المراد ممن جمعنا له بين النبوة والهداية والاجتباء للكرامة وهو خلاف الظاهر . وفيه منع كون ظاهر العطف المغايرة مصداقا وإنما هو المغايرة في الجملة ولو بحسب الوصف والبيان . ونظيره قول من قال بكونه معطوفا على قوله : " من ذرية آدم " ومن للتبعيض وقد اتضح وجه فساده مما قدمناه . ونظيره قول من قال : إن قوله : " وممن هدينا " استئناف من غير عطف فقد تم الكلام عند قوله : إسرائيل " ثم ابتدأ فقال : وممن هدينا واجتبينا من الأمم قوم إذا تتلى عليهم آيات الرحمان خروا سجدا وبكيا فحذف المبتدأ لدلالة الكلام عليه ، والوجه منسوب إلى أبي مسلم المفسر .